منظومة CPQ™ الرسمية للتدريب والعضويات
مقال

رفع الأداء

كيف يطوّر الكوتش المحترف أداءه من الداخل قبل أن يطوّر أدواته ؟ تجلس أمام عميلك، تستمع، تسأل سؤالاً ثم سؤالاً آخر… وفي تلك اللحظة نفسها، سؤال آخر يدور في داخلك: هل هذا أفضل ما يمكنني تقديمه الآن؟ هذا السؤال الصغير، إن كنت تطرحه على نفسك بصدق بعد كل جلسة، هو بداية رفع الأداء الحقيقي.

رفع الأداء

رفع الأداء

كيف يطوّر الكوتش المحترف أداءه من الداخل قبل أن يطوّر أدواته؟

إعداد أكاديمية CPQ — بإشراف د. ناصر الفريحي، المؤسّس والمبتكر

تجلس أمام عميلك، تستمع، تسأل سؤالاً ثم سؤالاً آخر… وفي تلك اللحظة نفسها، سؤال آخر يدور في داخلك: هل هذا أفضل ما يمكنني تقديمه الآن؟ هذا السؤال الصغير، إن كنت تطرحه على نفسك بصدق بعد كل جلسة، هو بداية رفع الأداء الحقيقي.

كثير من المحترفين، كموجّه ومدرّب، يبحث عن أداة جديدة، أو نموذج إضافي، أو شهادة تُضاف إلى بطاقته، ويظن أن هذا هو الطريق إلى أداء أفضل. لكنني، من خبرتي ومن عملي مع مئات الموجّهين عبر أكاديمية CPQ، أرى أن الأداء الحقيقي لا يبدأ من الخارج؛ يبدأ من داخل الجلسة نفسها: من الطريقة التي تُصغي بها، ومن اللحظة التي تختار فيها السؤال بدل النصيحة، ومن قدرتك على ملاحظة نفسك وأنت تعمل.

في هذه المقالة، أشاركك إطاراً عملياً بنيته باستناد إلى أدلة علمية موثّقة، لرفع أداء الموجّه من الداخل، بعيداً عن مجرد تراكم الأدوات دون تطوّر حقيقي في الممارسة.

الأداء ليس موهبة، بل ممارسة متعمّدة

إن كنت تعتقد أن الفارق بينك وبين موجّه متميّز هو الموهبة الفطرية، فأدعوك لإعادة النظر. الفارق الحقيقي، كما تؤكده عقود من الأبحاث حول اكتساب الخبرة العالية في أي مهنة — بما فيها المهن العلاجية والاستشارية — يكمن في نوع محدد من التمرين يُعرف بـ "الممارسة المتعمّدة".

وهي ممارسة مركّزة، تستهدف نقطة ضعف محددة بدقّة، تُقيَّم بتغذية راجعة فورية، وتتكرّر بانتظام حتى تصبح جزءاً من طبيعتك المهنية.

لهذا، إن كنت تكتفي بعدّ عدد جلساتك في الشهر، فأنت غالباً تكرّر أداءك القديم دون أن تتقدّم. أمّا إن أخذت خطوة أعمق — راجعت تسجيل جلستك الأخيرة (بإذن عميلك بالتأكيد)، وحدّدت لحظة واحدة فقط كان يمكنك أن تسأل فيها سؤالاً أعمق، ثم جرّبت ذلك فعلياً في جلستك التالية — فأنت من يبني أداءً حقيقياً. جرّب هذا التمرين أسبوعياً، وستلاحظ الفرق بنفسك قبل أن يلاحظه عميلك.

التأمّل أثناء الجلسة وبعدها: عقل الممارس المتأمّل

أهمّ من أي تقنية تعلّمتها في أي دورة، أثناء الجلسة نفسها، هناك مهارة أهمّ: أن تلحظ نفسك وأنت تعمل. وصف الباحث دونالد شون هذه القدرة في عمله المرجعي عن "الممارس المتأمّل"، موضّحاً كيف يطوّر المهنيّون — من المعماريين إلى المعالجين — حكمتهم المهنية لا من الكتب وحدها، بل من التأمّل أثناء الفعل، والتأمّل بعده.

وهذا له معنى مباشر لك كموجّه: التأمّل أثناء الجلسة يعني أن تلحظ اللحظة التي تتحوّل فيها من سؤال إلى نصيحة وأنت داخلها، فتصحّح مسارك فوراً قبل أن تفوتك الفرصة. والتأمّل بعد الجلسة يعني أن تمنح نفسك خمس دقائق صادقة، تسأل فيها: أين كنت حاضراً بالكامل؟ وأين كنت أدير الجلسة بدل أن أرافقها؟

جرّب أن تكتب إجابتك، لا أن تفكّر فيها فقط؛ الكتابة تُثبّت الملاحظة وتحوّلها إلى تعلّم فعلي. خمس دقائق يومية من هذا النوع، إن التزمت بها، تصنع فارقاً أكبر من أي دورة تدريبية إضافية.

الوعي الذاتي والذكاء الانفعالي كأساس للأداء

لا تكفي الكفاءة الفنية وحدها لتكون موجّهاً عالي الأداء. ربط الباحث دانيال جولمان، في نظريته عن الأداء القائم على الذكاء الانفعالي، بين جودة الأداء المهني والقيادي وبين الوعي الذاتي وإدارة الانفعال، مؤكداً أن المعرفة والمهارة الفنية لا تكفيان دون القدرة على قراءة حالتك الداخلية أثناء العمل.

هل تعرف اللحظة التي تتوتر فيها داخل الجلسة؟ هل تعرف اللحظة التي تتماهى فيها مع قصة عميلك حتى تفقد حيادك المهني؟

إن كنت لا تعرف، فأنت تُدار من انفعالك دون أن تشعر، وهذا يظهر في أدائك حتى لو لم تلحظه أنت. لذلك، قبل كل جلسة، اطرح على نفسك سؤالاً بسيطاً وصادقاً: بأي حالة داخلية أدخل هذه الجلسة، وهل هذه الحالة تخدم عميلي، أم تخدم راحتي أنا؟

حين يُنهَك الموجّه: الأداء مسألة طاقة لا مهارة فقط

قد تظن أن أداءك مسألة مهارة تراكمية فقط، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. في دراسة أُجريت على مئتين وستين مدرّباً رياضياً محترفاً في كندا، تبيّن أن نسبة معتبرة منهم يعانون إنهاكاً مهنياً مرتبطاً مباشرة بضعف القدرة على التنظيم الذاتي، وأن برنامجاً بسيطاً لتعزيز هذا التنظيم حسّن أداءهم ورضاهم المهني بشكل ملموس.

النتيجة نفسها تنطبق عليك كموجّه: أداؤك ليس فقط مسألة مهارة تراكمية، بل مسألة طاقة داخلية تحتاج إلى إدارة واعية. حين تكون منهكاً، تسمع أقل، وتسأل أسئلة أقصر، وتميل إلى الحلول الجاهزة — وكل هذا انخفاض حقيقي في أدائك، وإن بدا العدد نفسه من الجلسات على تقويمك هذا الأسبوع.

متى كانت آخر مرة أخذت فيها استراحة حقيقية من العمل، لا مجرد يوم إجازة تقضيه في التخطيط لجلسات قادمة؟

الحضور الصادق: ما يحدث بينك وبين عميلك يصنع أداءك

هناك بُعد في أدائك لا تراه في أي تقرير أو استبيان: نوعية الحضور بينك وبين عميلك. منذ خمسينيات القرن الماضي، أثبت الباحث كارل روجرز أن التغيّر البنّاء عند العميل لا يحدث إلا حين يشعر بأن معالجه أو موجّهه صادق ومتوافق مع نفسه (لا يمثّل دوراً)، ويحمل له تقبّلاً غير مشروط، وقدرة حقيقية على فهم عالمه من الداخل.

ولاحقاً، أكدت مراجعات تحليلية شاملة، شملت آلاف حالات العلاج والتدريب، أن قوة "التحالف العملي" بينك وبين عميلك — أي مدى اتفاقكما على الهدف والمهمة، ومدى الرابط الإنساني بينكما — من أقوى العوامل المتكررة في التنبؤ بجودة النتيجة، بصرف النظر عن المدرسة أو الأسلوب الذي تتبعه.

بمعنى آخر: قد تحفظ عشرين نموذجاً تدريبياً، لكن إن لم يشعر عميلك أنك حاضر معه بصدق، فأداؤك الفعلي أقل بكثير من أدائك النظري.

بعد كل جلسة: هل شعر عميلي أنني كنت معه بالكامل، أم كان جزء منّي في مكان آخر؟

تتابع أداءك بحكمة: التغذية الراجعة سلاح ذو حدّين

قد تظن أن طلب التغذية الراجعة بانتظام يضمن لك تحسّناً مستمراً، لكن الأمر أكثر دقّة من ذلك. مراجعة تحليلية شاملة شملت أكثر من مئة تجربة وجدت أن التغذية الراجعة ترفع الأداء بمعدّل متوسط في العموم، إلا أن أكثر من ثلث الحالات شهدت انخفاضاً في الأداء بعد تلقّي التغذية الراجعة، خصوصاً حين ترتكّز الملاحظات على الشخص نفسه بدل المهمة التي يقوم بها.

هذا يعني أن الطريقة التي تطلب بها التغذية الراجعة، أو تقدّمها لزميل موجّه، لا تقلّ أهمية عن طلبها نفسه. اطلب من مشرفك أو زميلك أن يوجّه ملاحظاته إلى ما فعلته في الجلسة، لا إلى من أنت كموجّه؛ فالفارق بين "هذا السؤال لم يخدم هدف الجلسة" و"أنت لا تُحسن الإصغاء" قد يكون الفارق بين تغذية راجعة ترفع أداءك، وتغذية راجعة تصيبك بالدفاعية فتخفضه.

نموذج CPQ العملي لرفع الأداء من الداخل

بناءً على ما سبق، أقترح عليك كموجّه ست ممارسات أسبوعية بسيطة، لا تحتاج ميزانية ولا دورة جديدة:

  1. راجع لحظة واحدة فقط بعد كل جلسة: (سجّل نفسك بإذن عميلك) واسأل: ما السؤال الذي كان بإمكانك أن تطرحه بدل ما قلته؟
  2. افصل بين دورك ودور الناصح: راقب اللحظة التي تتحوّل فيها من سؤال إلى توجيه خفي، وسمّها لنفسك حين تحدث.
  3. اجعل التأمّل بعد الجلسة عادة يومية لا استثناءً: خمس دقائق كتابة، لا أكثر، لكن كل يوم عمل.
  4. راقب علامات الإنهاك المبكرة عندك أنت، لا عند عميلك فقط: قصر صبرك، سرعة تقديم الحلول، وميلك لإنهاء الجلسة قبل وقتها.
  5. تحقّق من حضورك الصادق قبل كل جلسة: اسأل نفسك "هل أنا هنا بالكامل الآن؟"، وإن لم تكن، خذ نفساً عميقاً قبل أن تبدأ.
  6. اطلب تغذية راجعة من مشرف أو زميل موجّه كل شهر، لا كل سنة: الأداء الذي لا يُقاس من خارجك ينحرف دون أن تشعر.

خاتمة

رفع الأداء ليس حدثاً واحداً، بل انضباط يومي صغير يتراكم. أدواتك ونماذجك مهمة، لكنها تبقى في الخارج ما لم يرافقها وعي داخلي بما يحدث فيك أثناء الجلسة وبعدها، وحضور صادق يشعر به عميلك دون أن تقوله له.

هذا هو جوهر ما أبنيه مع كل موجّه يتدرّب معنا في أكاديمية CPQ: موجّه يعرف نفسه قبل أن يساعد غيره على معرفة نفسه، ويحضر بصدق قبل أن يطلب من غيره الحضور.

المراجع والمصادر

  1. Ericsson, K. A., Krampe, R. T., & Tesch-Römer, C. (1993). The Role of Deliberate Practice in the Acquisition of Expert Performance. Psychological Review. رابط المصدر
  2. Schön, D. A. — The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. رابط المصدر
  3. Goleman, D. — An EI-Based Theory of Performance. Consortium for Research on Emotional Intelligence in Organizations. رابط المصدر
  4. Understanding Burnout and Self-Regulation Capacity in Canadian Developmental and Elite Sport Coaches, University of Ottawa. رابط المصدر
  5. Rogers, C. R. (1957). The Necessary and Sufficient Conditions of Therapeutic Personality Change. Journal of Consulting Psychology. رابط المصدر
  6. Graßmann, C., & Schölmerich, F. — The Relationship Between Working Alliance and Client Outcomes in Coaching: A Meta-Analysis. Human Relations. رابط المصدر
  7. Kluger, A. N., & DeNisi, A. (1996). The Effects of Feedback Interventions on Performance. Psychological Bulletin. رابط المصدر
النقاش

تعليقات القراء

يظهر التعليق بعد مراجعته من إدارة الموقع.

0
لا توجد تعليقات منشورة حتى الآن. كن أول من يشارك.